بعد الغياب
![]() |
| Evening at home Edward John Poynter (UK, 1836-1919) |
ما قبل التدوينة
كم غبت؟ لم أحسب؛ ما يعنيني أنني عُدت.
في تدوينة قديمة للأستاذة إيمان أسعّد عن التنمر اللغوي الذي يأخذ هيئة تصحيح الأخطاء المطبعية في تغريدات المغردين، بدأت التدوينة بسرد حكاية طريفة عن إيلينور جولد، المدققة اللغوية لصحفة نيويوركر، وقصة عملها مع هذه الجريدة، والتي بدأت عندما أرسلت جولد نسخة مُعدلة ومُنقحة بقلم الحبر الأزرق الذي، على حد قول الأستاذة إيمان، كان يُلطخ فعلًا كل صفحة من صفحات الجريدة، إلى كبير مُحرري النيويوركر وأحد مؤسسيها، والذي استشاط غضبًا فور اطلاعه على كم الأخطاء التي عدلتها إيلينور بقلمها الأزرق، لكنه اتخذ قرارًا ذكيًا بالفعل عندما صرخ فيمن حوله: اعثروا على هذه الحقيرة ووظفوها.
تذكرت هذه الحكاية منذ ساعة، وأنا أُحرر مقالة قبل إرسالها لمدير التحرير، ثم وأنا أتصفح كتابي الجديد لأول مرة بعد صدوره؛ أقرأه ورقيًا في نسخته الأخيرة التي عدلتها بعناية، سطر سطر وكلمة كلمة وفاصلة فاصلة ونقطة نقطة، في أثناء اطلاعي على نسخة (بروفة) الكتاب التي أرسلتها لي دار النشر في بدايات يناير الماضي، كي يعكف فريق التحرير على التصحيحات التي اقترحتها في نصي؛ أتذكر أنني حذفت أجزاء شعرت أنني تائهة وأنا أقرأها، أو أنني كررت شرحها في سياق آخر، وأتذكر أنني عدلت وأحللت كلمة مكان كلمة لتبدو الجملة أكثر انتعاشًا، والأهم أنني كنت منتبهة للأخطاء المطبعية، وأنا مشهورة بها في الحقيقة، ولبعض التعديلات في الفواصل، وبعض السيطرة على أعداد الفواصل المنقوطة التي أحبها كثيرًا، وربما سأكتب عنها تدوينة يوم ما، هذه التصحيحات أخذت مني خمسة أيام قرأت فيها النص مرتين؛ مرة بعين المُدقق والمحرر والكاتب، ومرة بعين القارىء، وسأقول بمنتهى الصدق: أنا سعيدة بهذه التجربة جدًا.
كتابي الأول حبيب على قلبي، لكني كنت حزينة بسبب اضطراري إلى تقصيره لدرجة النصف فعليًا، ولا زلت نادمة على إذعاني لمدير السلسلة في تقليص الكتاب وجعله بهذا الاختصار، وأيضًا أنا حزينة بسبب بعض الهفوات التي لم أنتبه إليها لضيق الوقت المتاح أمامي لإصدار أمر الطباعة، فطُبع وعندما تصفحته لم أشعر بالرضا التام لا عن حجمه المنقوص ولا عن تدقيقي له، اليوم أنظر إلى نفسي بعد عام واحد؛ وقد راجعت كتابي الجديد ذي الأربعمائة ورقة مرتين بمنتهى التمعن، تقليصًا للهفوات البشرية التي تصالحت مع حدوثها، قبل إصدار أمر النشر، لدرجة أن مدير النشر والتحرير قال لي: واضح أنك راجعتي النص كلمة كلمة وفاصلة فاصلة وهذا رائع! وفي الحقيقة هذا فعلًا ما حدث.
كنت البارحة أقرأ منه جزءًا قبل أن أُقرر وضعه كاقتباس في صفحاتي في مواقع التواصل الاجتماعي، وقعت عيني نهاية الجملة وأنا أعرف أنني حذفت جملة جاءت وارءها، وشعرت بغرابة وبتواطؤ من يعرف أنه حذف أجزاءً رائعة فعلًا من النص، لكنها زائدة أدبية؛ لا تُفيد المعنى، ولا تخدم السياق، وبينما أضغط زر النشر، فكرت أن كل الشجاعة أحيانًا تكمن في الحذف والاختصار والتخلي.
![]() |
| المصدر: بنترست |
في مقالة قرأتها عن علامات الترقيم، تذكر موقفًا يحكي عنه الثعالبي قائلًا: "إن المأْمُون قال يومًا ليحيى بن أكثم:"هل تغديت اليوم؟" فقال: "لا، وأيَّدَ الله أَمير المُؤمنِين". فقال الـمأْمون: "ما أظرف هذه الواو وأحسن وقعها!". ويبدو من هذا الرد أهمية الواو بالنسبة لكلام العرب، تمامًا كالنقاط فوق الأحرف، وأيضًا علامات الترقيم.
قبل زمن ازدهار الكتابة كانت الكلمات تُكتب ملتصقة ببعضها دون أي مسافات أو فواصل، وهو ما جعل القراءة عملية صعبة، لكن مع بداية من القرن الخامس قبل الميلاد، بدأ اليونانيون في وضع نقاط فوق بعضها لمساعدة الخطيب، أو الشخص الذي يقرأ النص بصوت عالٍ على معرفة متى يأخذ نَفَسَه دون أن يتضرر معنى الجملة، ثم بعد ذلك بنحو ثلاثمائة عام، ابتكر (أرستوفانيس البيزنطي) نظامًا أذكى، قوامه نقطة واحدة يتغير معناها بتغير موضعها؛ فإذا وضعت النقطة في الأسفل فهي تعني وقفة قصيرة جدًا، وإذا وضعت في المنتصف فهي تُشير إلى وقفة أطول قليلًا، أما إذا وضعت في الأعلى فهي تعني أن الجملة انتهت تمامًا.
هذا التأثير امتد إلى الرومان، الذين اتبعوا هذا النظام لاحقًا، ومع مرور الوقت، بدأت هذه الرموز تتغير وتتطور في شكلها حتى أصبحت تشبه الفواصل التي نستخدمها اليوم.
وفي الحقيقة لم يترك العرب قديمًا كتاباتهم دون تنظيم تمامًا، بل حاولوا ابتكار رموز وعلامات تشبه ما نستخدمه اليوم، لكن الفرق أن هذه المحاولات كانت قليلة وغير منظمة؛ فالباحثون عندما فحصوا المخطوطات القديمة وجدوا علامات مثل الدائرة الصغيرة، أو النقاط المتراكمة، والفاصلة، وحتى الفواصل المنقوطة، وكانت هذه العلامات تستخدم أحيانًا للفصل بين الجمل أو لإنهاء الفقرات، إلا أنك قد تجدها في صفحة وتختفي في عشرات الصفحات الأخرى، ما يعني أنها كانت اجتهادات أكثر منها قانونًا يحكم العملية الكتابية لدى العرب.
ظل الأمر هكذا على ما يبدو، إلى أن جاء العام 1912م، عندما كان العلامة (أحمد زكي باشا)، يتأمل في دقة الترقيم عند الغرب وخلوِّ كتاباتنا العربية منه، وأيقن أن جمال اللغة يحتاج إلى نظام ترقيمي يُجلي معانيها، وهنا فأصدر رسالته الشهيرة التي أرست قواعد الترقيم، وسارعت وزارة المعارف حينها بتبنيها في المدارس المصرية، ولم يأتِ عام 1932م حتى بارك المجمع اللغوي هذا النهج، مُقرًا عشر علامات أساسية، كانت هي الحجر الأول في بناء نظام الترقيم الحديث الذي نستخدمه اليوم، والذي حفظ للعبارة العربية وضوحها ورونقها.
ومن بين كل علامات الترقيم، أحب حرية ومرونة الفاصلة المنقوطة، ربما لم تكن ضمن العلامات التي أقرها أحمد زكي باشا، وأنها انتقلت للعربية في وقتٍ لاحق، لكنها العلامة الوحيدة التي تحفظ للإنسان القارئ والكاتب بشريته.
بحسب مقالة الويكيبديا، فإن الفاصلة المنقوطة تستخدم إما "لتُؤسّسُ اتصالًا وثيقًا بين جملتين. كأن تكون الجُملة الأولى سببًا للثَّانية، أو العكس"، و"كثيرًا ما تُستخدم في قائمةٍ تحوي أجزاء مُنفصلة، أو عناصر فرعيَّة، أي: يُمكن استخدامها لفصل اثنين من العناصر أو الجمل الّتي تقول الشَّيء نفسه بطرائق مُختلفة"، ما يعني إنها إما تشرح وتُسهب، او إنها تجمع نقيضين بمنتهى الأريحية، وفي الحالتين الفاصلة المنقوطة تعني بالنسبة لي كلمة واحدة: حرية.
وفي مقالة نشرتها نيويورك تايمز عن مراجعة كتاب "Semicolon: The Past, Present, and Future of a Misunderstood Mark"= "الفاصلة المنقوطة: الماضي والحاضر ولمستقبل لعلامة ترقيم تُفهم بشكلٍ خاطىء (سأتصرف وأقول سيئة السمعة)"، تكشف "سيسيليا واتسون" أن علامات الترقيم، كما نمارسها اليوم، هي فن فتيّ ومضطرب نسبيًا، من خلال روايتها لسيرة علامة الترقيم تلك بشكل نابض بالحياة؛ فهي علامة تمتلك موهبة استثنائية في إثارة الجدل.
تقتبس المقالة من واتسون: "الفاصلة المنقوطة هي الموضع الذي تتركز فيه مخاوفنا وتطلعاتنا بشأن اللغة والطبقة والتعليم؛ ففي هذه العلامة الصغيرة، تتقطر الأفكار الكبيرة إلى بضع قطرات غامزة من الحبر".
في الحقيقة الأمر يتخطى مجرد الحبر، فبحسب المقالة التي تقتبس من الكتاب، سالت بسبب هذه العلامة الدماء وثار الغضب. ففي عام 1837م، اختلف أستاذان في القانون بجامعة باريس حول طريقة استخدام الفاصلة المنقوطة، ووصل بهما العناد إلى حد خوض مبارزة بالسلاح لتسوية الخلاف! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي أوائل القرن العشرين، تسللت فاصلة منقوطة بالخطأ في أثناء إعادة كتابة أحد القوانين، ما تسبب في منع تقديم المشروبات في مدينة بوسطن لمدة ست سنوات كاملة. وفي عام 1945م، كادت فاصلة منقوطة وُضعت في نص تعريف جرائم الحرب أن توقف محاكمة النازيين الأسرى، ولم تستمر المحاكمة إلا بعد توضيح المقصود من تلك الجملة المحيرة التي تسببت فيها هذه العلامة الصغيرة.
لماذا كل هذا الارتباك؟ الفاصلة المنقوطة بشكلها الحالي قديمة في الكتابات العربية؛ وهي موجودة بوضوح في كتاب مسائل في الطب لحنين بن إسحاق، لكن كاتبة الكتاب تقول أن الفاصلة المنقوطة الحديثة ابتُكرت في البندقية عام 1494م، على يد المطبعي والناشر (ألدوس مانوتيوس)، وظلت طوال جزء كبير من التاريخ بلا وظيفة محددة بصرامة. كانت تعمل مثل نوتة موسيقية، ووظيفتها تقتصر على منح القارئ/ الخطيب وقفة متوسطة الطول، تقع في المسافة ما بين سكتة الفاصلة السريعة ووقفة النقطتين الأطول، ومن هنا جاء تصميمها الهجين (؛ ) ولم يتم تنظيمها ومنحها استخدامين رئيسيين إلا في وقت لاحق.
![]() |
| فواصل منقوطة في كتاب "مسائل في الطب". الصورة منقولة من ويكيبديا. |
لا أذكر متى تعرفتُ على الفواصل المنقوطة لأول مرة، ولا أملك قائمة ذهنية لنماذجها البديعة في الأدب أو في كتب التاريخ أو في الكتب التي قرأتها، ورغم أن النصيحة المعتادة للكُتّاب بمختلف مستوياتهم هي استخدامها باقتصاد، وكأن هناك حدًا مسموحًا به لوجودها في نصوصنا؛ وهذا بدوره يوّلد نوعًا من الارتياب تجاهها، والذي يورث بدوره مرة أخرى وصمة مفادها أن الفواصل المنقوطة سيئة، أو قبيحة أو متكلفة، أو هي دلالة محاولة غير ناضجة في المضي قدمًا في الحديث بينما لا تزال مُعلقًا بنقطة سابقة، أو حتى باب مفتوح للتراجع المسبق عن ما قد يأتي بعدها، لكني أراها إنسانًا في جوهرها أكثر منها علامة ترقيم، إنسان حر ومنعتق من قيود لا داعي لها، وجميل.
لو نظرنا إلى حقيقة أن الفواصل المنقوطة اختيارية تمامًا، وأنها غير مألوفة نسبيًا، بعكس معظم علامات الترقيم الأخرى، فإن حالتها الاختيارية غير المألوفة تلك هي ما يمنحها القوة؛ فحين تستخدمها، فإنك تفعل ذلك عن قصد واختيار وبمنتهى الأريحية وبمنتهى الوضوح، لتُعلن عن المزيد مما يدور في رأسك قبل أن تنتقل تمامًا إلى نقطة جديدة، أو لتقول بمنتهى البساطة أن الاختلاف لا يُفسد الود وأنك مرن كفاية لتقبل وتُمرر بعض التناقض في الناس والأشياء والمواقف، في وقت يخشى أغلب الكتاب الفاصلة المنقوطة، ويتحاشون استخدامها درءًا لمظهر الثرثار أو مظهر المتناقض، وهذا غريب وقاتل للإبداع.
في هذه الحياة، ثمة فرص ضئيلة جدًا للجمع بين أمرين معًا، دون أن تبدو بمظهر المتناقض؛ والفواصل المنقوطة هي تلك الحالة النادرة التي يمكنك فيها ذلك، دون وجود أي جانب سلبي على الإطلاق.
بدأت مؤخرًا وبدون تخطيط في قراءة منشورات تكوين؛ كان لدي حاجز نفسي لا
يمكنني تفسيره تجاهها، لكن حدث وأهدتني الصديقة نوال القصير قبل عامين واحدًا من
منشورات تكوين المترجمة عن الكتابة في عيون الأدباء الأسبان وبالفعل كان كتاب
رائع، مؤخرًا قررت الاشتراك في أبجد، لأن رفوف مكتبتي وممرات غرفتي وفوق خزاناتي
وتحت فراشي ازدحموا بالكتب، وأصبح لا بد من تقليص وقمع همتي الشرائية، وحدث أن
اهداني أخي جهاز أيباد جديد قبل فترة، هكذا تضافرت الظروف لأقرأ من أبجد عبر الأيباد (هدية أخي العزيزة)، ولأقرأ
منشورات تكوين.
في الحقيقة توجد العديد من عناوين منشورات تكوين اللافتة جدًا بالنسبة لي
في تطبيق أبجد، جذبني قبل أسبوع عنوان لكتاب (المبدأ الأنثوي الأبدي: أسرار الطبيعة
المقدسة) لجوزيف كامبل وترجمة محمد جمال، ورواية (زنديق بغداد) ذات الغلاف الجميل للدكتور
جعفر رجب.
وأحببت أن أبدأ بكتاب جوزيف كامبل، لأني في الحقيقة أشعر بالسعادة من
الاهتمام مؤخرًا بالأنوثة والأنثوي المقدس في الميثولوجي، بجانب أنها تمس بشكل
عميق الفترة الهلنستية؛ دراستي المجيدة والحبيبة.
يُعد جوزيف كامبل واحدًا من أساطير علم الميثولوجيا، إذ يمتلك قدرة فريدة
على صياغة بحوثه الأكاديمية بأسلوب ممتع وشيق يجعل من قراءتها رحلة معرفية لا
تُنسى، لكنها رحلة قد تغير نظرتك للعالم تمامًا.
يأخذنا كامبل في هذا الكتاب إلى جذور البشرية، عندما سادت لآلاف السنين
في العصور الحجرية ديانات تُقدس (الإلهة الأم) في مناطق متفرقة من العالم؛ من بلاد
ما بين النهرين ومصر واليونان وصولًا إلى شرق آسيا وأمريكا الوسطى، واللافت أن هذه
الديانات نشأت في مجتمعات زراعية مستقرة وهادئة، كانت ترى في الأرض أمًا رؤومًا
يخرج منها نبض الحياة وإليها يعود، وهذا الرابط يدعو للتمعن.
في ذلك الزمن، كانت الرموز
الأنثوية هي المهيمنة؛ فكانت الشمس ترمز للحرية، والأسد للملكية، والأفعى للحكمة
وقوة الحياة، بينما كان الثور بقرونه التي تشبه الهلال يمثل الرمز الذكوري المرتبط
بدورة القمر؛ يولد ويموت ثم يبعث من جديد كابنٍ وحبيبٍ للإلهة، طبعًا القارىء
والمتابع للرمزيات الفلكية وحسابات الفلك في مواقع التواصل الاجتماعي سيشعر أن
الرمزيات معكوسة؛ فالشمس في رمزية الفلك هي الرجل والقمر هو الأنثى.
ومع بزوغ عصر الحديد، بدأت هذه الحضارات الأنثوية الهادئة تواجه غزوات
القبائل المحاربة من الشمال والجنوب. هؤلاء المحاربون لم يمحوا الإلهة القديمة
الأنثوية تمامًا، لكن دمجوا آلهتهم الخاصة بها عبر (الزواج الإلهي)، ما غيّر ملامح
الحكايات القديمة بالكامل.
يتتبع كامبل ببراعة هذا التحول عبر الثقافات الهندوسية والإغريقية والشرق
أوسطية (أتحفظ على هذه التسمية لإنها استعمارية لكن لا يُسعفني قاموسي حاليًا بكلمة
مرادفة)، موضحًا كيف تراجعت مكانة الأنثى المقدسة من السيادة المطلقة في الوثنية
القديمة، لتصبح مجرد رمز مُبجل في الأديان التوحيدية، وطبعًا هذا طبيعي 😊. لكن الجمال في طرح كامبل يكمن في تأكيده على أن هذا الجوهر
الأنثوي لا يموت؛ فقد عاد ليزدهر من جديد في عصور الفروسية والحب الرومانسي، ولا
يزال صوته يتردد بوضوح في وعينا المعاصر.
ترجمة محمد جمال كانت رصينة وجيدة، عكست بعض من ظرافة أسلوب كامبل وخفة ظله (أحسده لأن الأكاديميا لو تؤثر بلغته ولا بخياله) وكانت شاعرية ومثيرة للانتباه في مواضع متفرقة.
بالنسبة لرواية (زنديق بغداد)، في البداية جذبني غلافها = المنمنمة، وعلى
حبي وعشقي الشديد للمنمنمات، إلا أنني بدأت في الضيق فعلًا من اتخاذ المنمنمات
المتزايد كأغلفة للكتب والروايات، أخشى أن هذه الكثرة الاصطناعية الحالية قد تُفقد
بالوقت المنمنمات جلالها وغرابتها، وتنزع عنّا لهفة التمعن فيها.
في العموم عند الوقوف أمام هذا العمل، وجدت نفسي في مأزق تقييمي؛ الرواية
أسلوبها جميل ولغتها شديدة العذوبة في معظمها وإن افتقدت للوحدة في بعض مواضعها،
لكن موضوعها جريء وشائك بالنسبة لي لأني لا أعرف شيئًا في الواقع عن ابن الريوندي،
ولأني لم أقتنع تمامًا بأفكاره التي تدور حولها الرواية.
الرواية تحمل أفكارًا صادمة، بالذات للمتدينيين والقراء الملتزمين بقواعد
دينية أو حتى تاريخية كونها تمس ثوابت في الاتجاهين؛ إذ تعكس نزعة ابن الريوندي الإنكارية
للفرائض والنبوات، وبها بعض من الطعن في الصحابة، مع انحياز واضح في تصوير المذاهب
والملل، حيث وُضع مذهب السنة في إطار قسري بينما أُعلي من شأن غيره من المذاهب
والأديان
إن شخصية ابن الريوندي كما صُورت في الرواية، تطرح تساؤلًا مستمرًا حول
مفهوم الزندقة؛ فهو المسلم الذي لا يقر بالوحي أو النبوة، ما يجعله في مواجهة
مباشرة مع تعريفات الإيمان التقليدية.
ومع ذلك، تظل الحقيقة التاريخية التي لا يمكن إنكارها هي أن بعض الخلفاء العباسيين قد أسرفوا في سفك الدماء لمحاربة هذا الفكر بمشورة حاشيتهم، متناسين أن الفكر لا يُرد عليه إلا بالفكر، وأن القتل لم يكن أبدًا علاجًا للشك أو الإلحاد. ومنذ الفصول الأولى، يظهر ابن الريوندي الطفل المتأثر بالقابلة شيرين بانو، التي لها تحمل مخزونًا لغويًا وحكواتيًا غجيبًا بجانب قدرتها على (لضم) حكاية بحكاية أخرى، ثم كشاب له عقل متقد، يشاكس أساتذته بأسئلة تعجيزية تضع المسلمات على المحك، فاتحًا أبوابًا من الأسئلة الشائكة التي رأتها شخصيات الرواية زندقة، وسيراها البعض ممن يقرأ كفرًا صريحًا، بينما يراها آخرون ذروة التفكير الحر الذي يبحث عن الله عبر بوابة العقل لا عبر قيود التقليد، وهكذا تضيق عليه ريوند، فيرتحل إلى البصرة لتبدأ حكاية أخرى له مع الإيمان، بالاختلاط مع الزرادشت والمعتزلة ثم رحلته للحج والتي تدفعه لطرح أسئلة تتضمن التشكيك في المسلمات مثل الفائدة من فريضة الحج.
بقدر ما أعتبر نفسي من القراء المحافظين، بقدر ما أشعر بالسعادة عندما
أجد رواية منشورة تتحدث عن فكرة مغايرة للثوابت، لأن حتى التمسك بالثابت يحتاج نوع
من الانتعاش الذي يوفره التعرض للمضاد والتفكر بعناية فيه؛ فإما التمسك به عن قناعة،
أو تغييره لأن الحقيقة تلوح في فكرة أخرى.





Comments
Post a Comment